الحكيم الترمذي
150
غور الأمور
فيهم هذه الشهوة فهوت بهم يمينا وشمالا ، فوقعوا في التخليط والمعاصي ، فلما أدركتهم رحمته ، وجاءتهم نصرته ، تابوا إليه ، فوقعوا في العبودية . فالشهوة باقية فيهم ، إلا أنها ضعيفة ، وخمدت نيرانها ، وانطفت شعلها ، وتضمنتها جوارح العبد ، فصارت كحجرة قد غشاها الرماد ، فلم يبق في العروق والجوارح حرارة من الشهوة ، فصار الضوء كتنور قد سكن وخمد تسعره ، فلم يزل هكذا يصير حمره رمادا حتى برد ، فإذا الزق به رغيف سقط ، ولم يلتزق به ، ولم ينخبز . فكذلك الصدر إذا برد من حرارة الشهوة ، فكلما مر به ذكر شئ مما نهى عنه سقط ، ولم يلزق به ، فكلما كان التنور أحمر كان الشئ به ألزق ، ونصحه أسرع في العبد خمدت نيران شهواته بالنور الذي ورد على قلبه فظفر بالتوبة . وذلك النور من رحمة اللّه على العبد ، وللرحمة روح وبرد حيثما حلت انطفت النيران ، إذا كانت هذه التنور من الشهوة مورد غدا نيران العقاب ، فإذا انتهى العبد عما نهى ، وأتى ما أمر ، واستمر في ذلك لم يخل من شهوة تهوى به ، وهو الذي يقال له الهوى ، فإن أتى ما أمر ، وكان ذلك الأمر موافقا لشهوته خف فيه ، وإن كان مخالفا لشهوته ثقل عليه ، وأتاه بكرة ، وإن انتهى عن شئ ، وكان ذلك النهى موافقا لشهوته . خف عليه الانتهاء ، وإن كان مخالفا لشهوته ثقل عليه الانتهاء . فإنما عملت فيهم هذا العمل هذه الشهوة الباقية فيهم ، فعلم اللّه هذا منهم قبل أن يخلقهم أذكرهم على ذلك ، فخلق دار النعيم والكرامة ، ودار البؤس والهوان ، وأفتنا خبر ذلك على ألسنة الرسل فيهم ليهيج من نفوسهم التي فيها هذه الشهوة ، وهذا الهوى شهوة تلك الدار ، وتميل بأهوائهم إليها . فإن قال العصاة غدا محتمين بمزيدته يا ربنا إنك ركبت فينا هذه الشهوات